سعيد عطية علي مطاوع
55
الاعجاز القصصي في القرآن
رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً ) ( سورة الكهف 32 - 44 ) . تبدأ القصة بمشهد الجنتين في ازدهار وفخامة ، ويختار التعبير كلمة " تظلم " ( كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ) في معني تنقص وتمنع ، لتقابل بين الجنتين وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم يشكر ، وازدهى وتكبر 70 . . ونلاحظ أن صاحب الجنتين قد بدأ الحوار مع صاحبه من موقع الإحساس بالقوة ، بسبب ما يملك من كثرة المال والأتباع ، وكان خطابه - معه - ينطلق من محاولته لإخضاعه نفسيا بمواجهته بواقع الفارق الكبير بينهما ، وتميزه عنه ، أما صاحبه المؤمن الفقير فيقف في حواره مع صاحب الجنتين ، في موقع الإنسان الرسالي الذي يستنكر علي هذا الغني المزهو بغناه ، كفره باليوم الآخر ونسيانه للّه . . . ويبدأ في تذكيره بنعم اللّه عليه وحاجته إليه في كل شيء . . . ليبقي مشدودا إليه في حال الإحساس بالقوة ، كما يشعر بالارتباط به في حال الإحساس بالضعف ، لأن القوة هبة ، يهبها لمن يشاء ويسلبها ممن يشاء . . . وبهذا يتجسّد لنا الفارق الكبير بين العقليتين والاتجاهين في فهم الحياة من خلال هذا الحوار الذي أداره القرآن الكريم بين الرجلين لنستوحي منه الفكرة التي تحكم الموقف في حساب القيم والمعاني الكبيرة في الإسلام 71 . وتكتمل الصورة ، بالمشهد الأخير في القصة ، حيث ينقلنا السياق فجأة من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار . ومن هيئة البطر ، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار . فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن : " وأحيط بثمره فأصبح يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربّي أحدا " . . وهو مشهد شاخص كامل : الثمر كله مدمر كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء . والجنة خاوية علي عروشها مهشمة محطمة . وصاحبها يقلّب كفّيه أسفا